أبي منصور الماتريدي

453

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فضّلوا أنفسهم على العالمين ، لا هو ، فكيف يمنّ عليهم بذلك ؟ ! ولا قوة إلا بالله . مع ما لا يخلو تفضيله إياهم على غيرهم من أن يكون لهم الفضل في الدين أولا . فإن لم يكن فليس ذلك بتفضيل . وإن كان ثبت أن ليس من الحق عليه التسوية بين الجميع في أسباب الدين . وقوله عزّ وجل : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً . الآية - والله أعلم - كأنّها مؤخّرة في المعنى وإن كانت في الذكر مقدمة ؛ لأنه قال : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ، ثم ذكر الأفضال والمنن فقال : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ . . . الآية [ البقرة : 49 ] ، وقوله : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ ، وقوله : وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [ البقرة : 50 ] . ذكّرهم - عزّ وجل - عظيم نعمه ومننه عليهم ؛ ليشكروا له ، وليعرفوا أنها منّة ، وأنه فضل منه . ثم حذّرهم - جل وعزّ - فقال : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً . . . الآية ؛ ليكونوا على حذر ؛ لئلا يصيبهم ما أصاب الأمم السالفة من الهلاك وأنواع العذاب بعد الأمن ، والتوسع عليهم ، كقوله : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إلى قوله : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ . . . الآية [ الأنعام : 43 - 44 ] . ثم في الآية دليل لقول أبي حنيفة وأصحابه : إن الولد يصير مشتوما مقذوفا بشتم والديه ؛ لما عيرهم - جل وعزّ - بصنع آبائهم بقوله : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ [ البقرة : 51 ] وهم لم يتخذوا العجل ، وإنما اتخذ ذلك آباؤهم . وكذلك ذكر - عزّ وجل - صنعه ومننه عليهم ، من نحو النجاة من الغرق ، وإخراجهم من أيدي العدو ، وفرق البحر بهم ، وإهلاك العدو . وإنما كان ذلك لآبائهم دونهم ، لكن ذكّرهم - جل وعزّ - عظيم مننه على آبائهم ؛ ليشكروا له على ذلك ، وكذلك عيّرهم بصنيع آبائهم من اتخاذ العجل ، وإظهار الظلم ؛ ليكونوا على حذر من ذلك ، والله أعلم . وفي قوله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي : بما كان إنعامى عليهم باتباعهم الرسول موسى - عليه السلام - وطاعتهم له ، فاتّبعوا اسم الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم وأطيعوا له ، ولا تتركوا اتباعه . وقوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً . قيل : أي لا تؤدى نفس عن نفس شيئا ؛ كقوله : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . . . الآيات [ عبس : 34 - 35 ] .